ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

216

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض ويقام عليه العقوبة على ملأ من الخلق وليس يدرى أيعفي عنه أم لا كيف يكون ذلة في السجن أفترى أنه يتكبر على من في السجن وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه وقد استحق العقوبة من الله تعالى ولا يدرى كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا فهذا هو العلاج العلمي القالع لأصل الكبر . وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين كما وصفناه من أحوال الصالحين حتى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وقيل لسلمان لم لا تلبس ثوبا جيدا فقال إنما أنا عبد فإذا أعتقت يوما لبست أشار به إلى العتق في الآخرة ولا يتم التواضع بعد المعرفة لا بالعمل ولذلك أمرت العرب الذين يتكبرون على الله ورسوله بالإيمان وبالصلاة جميعا وقيل للصلاة عماد الدين وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عمادا ومن جملة ما فيها من التواضع بالمثول قائما وبالركوع والسجود وقد كانت العرب قديما يأنفون من الانحناء وكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والصغار أمروا به لتنكسر بذلك خيلاءهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم وبه أمر سائر الخلق فإن الركوع والسجود والمثول قائما هو العمل الذي يقتضيه التواضع ولذلك من عرف نفسه فلينظر إلى ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقا فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل ومما يمنع الإنسان من الكبر أن يعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض وأنه لو توجع عرق واحد من يديه لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل وأنه لو سلبه الذباب شيئا لم يقدر أن يستنقذه منه وأن بقة لو دخلت أنفه أو نملة دخلت أذنه لقتلته وإن شوكة لو دخلت رجله لأعجزته وإن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه